ابن عربي

278

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

في كل وجهة نكون فيها ، غير أننا حجبنا ، فسمى انفصالنا عن هذا الوجود الحسي بالموت لقاء اللّه ، وما هو لقاء وإنما هو شهود الرفيق الذي أخذ اللّه بأبصارنا عنه ، فقال : [ من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ] فلم يعرفه المحجوب رفيقا حتى لقيه ، فإذا لقيه عرفه - دلالة هذه الآية على التوحيد - اعلم أنه مهما نظرت الوجود جمعا وتفصيلا ، وجدت التوحيد يصحبه لا يفارقه البتة ، صحبة الواحد الأعداد ، فإن الاثنين لا توجد أبدا ما لم تضف إلى الواحد مثله ، وهو الاثنين ، ولا تصح الثلاثة ما لم تزد واحدا على الاثنين ، وهكذا إلى ما لا يتناهى ، فالواحد ليس العدد وهو عين العدد ، أي به ظهر العدد ، فالعدد كله واحد ، لو نقص من الألف واحد انعدم الألف وحقيقته ، وبقيت حقيقة أخرى وهي تسعمائة وتسعة وتسعون ، لو نقص منها واحد لذهب عينها ، فمتى انعدم الواحد من شيء عدم ، ومتى ثبت وجد ذلك الشيء ، هكذا التوحيد إن حققته « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » إشارة - العالم كله حرف جاء لمعنى ، معناه اللّه ، ليظهر فيه أحكامه ، إذ لا يكون في نفسه محلا لظهور أحكامه ، فلا يزال المعنى مرتبطا بالحرف ، فلا يزال اللّه مع العالم ، وهو قوله تعالى : « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » - فائدة - [ الجاهل كل الجاهل من طلب الحاصل ] غاية العامة إذا كانت مؤمنة أن تعلم أن اللّه معها ، والفائدة أن تكون أنت مع اللّه لا في أنه معك ، فكذلك هو الأمر في نفسه ، فمن كان مع الحق فلا بد أن يشهد الحق ، ومن شهده فليس إلا وجود العلم عنده ، فإنه معك أينما كنت ، فلا تقع عينك إلا عليه ، لكن بقي عليك أن تعرفه ، فإن عرفته لم تطلبه ، فإنك لم تفقده ، فإذا رأيت من يطلبه فإنما يطلب سعادته في طريقه ، وسعادته دفع الآلام عنه ، ليس غير ذلك كان حيث كان ، فالجاهل كل الجاهل من طلب الحاصل ، فما أحد أجهل ممّن طلب اللّه ؛ لو كنت مؤمنا بقوله تعالى « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » وبقوله ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) لعرفت أن أحدا ما طلب اللّه ، وإنما طلب سعادته حتى يفوز من المكروه « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 5 إلى 7 ] لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 5 ) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 6 ) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 )